الرئيسة arrow مقتبسات arrow موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى
spacer
أضيف قسم خاص بالمقتبسات الصحفية و الانترنتية
 

يمكنكم الآن متابعة الإضافات الجديدة في الموقع حال حدوثها باستخدام نظام RSS

 

لقد تمت إضافة قسم خاص بجديد  الأخبار  العلمية و غيرها

 
advertisement.png, 0 kB
 
spacer
spacer

 
موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ إدارة الموقع   
01/12/2007

موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرىد. جعفر شيخ إدريس

أ.د. جعفر شيخ إدريس

إننا نعيش في عصر ما تزال وسائل المواصلات والاتصالات فيه تتزايد سرعتها وكفائتها يوماً بعد يوم، فيزداد بازديادها انتقال الناس والأشياء والأفكار سهولة وسرعة، فيزداد بذلك تشابك مصالح الناس، ويكثر اعتماد بعضهم على بعض، ويقوى تأثير بعضهم في بعض.  لم يعد من الممكن لأية أمة تريد تحقيق مصالحها أن تعيش منعزلة غنية بنفسها عن غيرها، مهما كانت قوتها الاقتصادية وإمكاناتها العلمية والتقنية والبشرية.  بل أصبح من الضروري لكل أمة أن تكون ذات نظرة عالمية، وأن تهتم لذلك بسياستها الخارجية اهتمامها بالسياسة الداخلية.

موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى

أ.د. جعفر شيخ إدريس

  1. صدام الحضارات: هل هو أمر لازم؟
  2. طبيعة العصبيات الثقافية:
  3. الموقف الإسلامي من حيث المبدأ
    1. أولاً: من المعتقدات:
    2. ثانياً: من المعتقِدين:
  4. الموقف في الظروف الراهنة
    1. أولاً: الدعوة إلى الحق:
    2. ثانياً: إعداد القوة الرادعة:
    3. ثالثاً: الجنوح للسلم:
    4. رابعاً: تبادل المنافع:


1. صدام الحضارات: هل هو أمر لازم؟
إننا نعيش في عصر ما تزال وسائل المواصلات والاتصالات فيه تتزايد سرعتها وكفائتها يوماً بعد يوم، فيزداد بازديادها انتقال الناس والأشياء والأفكار سهولة وسرعة، فيزداد بذلك تشابك مصالح الناس، ويكثر اعتماد بعضهم على بعض، ويقوى تأثير بعضهم في بعض.  لم يعد من الممكن لأية أمة تريد تحقيق مصالحها أن تعيش منعزلة غنية بنفسها عن غيرها، مهما كانت قوتها الاقتصادية وإمكاناتها العلمية والتقنية والبشرية.  بل أصبح من الضروري لكل أمة أن تكون ذات نظرة عالمية، وأن تهتم لذلك بسياستها الخارجية اهتمامها بالسياسة الداخلية.

لكن الناس في عصرنا ما زالوا تتقاسمهم –حتى داخل البلد الواحد- الأديان والثقافات، وربما يقال وتتقاسمهم على المستوى العالمي مختلف الحضارات.  هل من الممكن لسكان هذه القرية الأرضية المنقسمين هذا الانقسام أن يعيشوا مع ذلك متسالمين آمنين متعاونين على تحقيق مصالحهم؟ أم أن الصراع بين ثقافاتهم على المستوى المحلي وبين حضاراتهم على المستوى العالمي ضربة لازب لا مفر منها؟  لا أحد يستطيع أن يجزم، فعلم المستقبل عند الله تعالى، وتصرفات البشر يصعب التنبؤ الجازم بها لما يعتريها من عدم العقلانية في كثير من الأحيان.  لكن الأمر من الخطورة بمكان يستدعي النظر والتأمل.  فلا بد للعلماء والمفكرين ورجال الدولة المسلمين من أن يولوه من العناية ما يستحق نظراً وعملاً وتخطيطاً.

المفكرون في الدول الكبرى من أكثر الناس اهتماماً بهذه القضية لأنهم يقدرون من خطرها ما لا يقدر غيرهم.  ويمكن تلخيص توقعاتهم في أربعة آراء:

فمنهم من يرى أن الصدام بين الحضارت آت لا محالة، فهو ينصح قومه بإعداد العدة للدفاع عن الحضارة الغربية.[1]

ومنهم من يرى أن الصراع الثقافي قد بدأ في داخل الحضارة الغربية نفسها فلم تعد الحضارة التي كانت قبل.[2]

ومنهم من يرى أن الحضارة الغربية في شكلها الأمريكي المتفوق، والمتمثل في الليرالية السياسية، واقتصاد السوق هي مطمح أنظار الأمم، والغاية التي يتسابقون إليها، وحين يصلونها فتلك نهاية التاريخ في هذا المضمار.[3]

ومنهم من يرى أن التعايش السلمي بين الثقافات والحضارات ممكن إذا اتخذ الناس سبيل الديمقراطية العلمانية التعددية.

 

2. طبيعة العصبيات الثقافية:
ما الموقف الذي يجب على المسلمين اتخاذه إزاء الثقافات والحضارات المخالفة للإسلام في عصرنا هذا وفي ظروفنا هذه؟  إن الناس يهتدون في اتخاذهم لمواقفهم بما عندهم من علم وبما وهبهم الله من عقل.  لكن المسلمين يهتدون إلى جانب ذلك بما حباهم الله تعالى به من هداية القرآن الكريم:  (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء:9]  وهداية القرآن ليست هداية دينية بالمعنى المحدود الشائع في عصرنا لهذه الكلمة.  إنها هداية تشمل كل ما يحتاج إليه الناس أفراداً وجماعات في أمورهم الروحية والجسدية، في حياتهم الدنيوية والأخروية.  من أنواع هداية القرآن المتصلة بموضوعنا هذا أن يعطينا حقائق عامة عن المجتمعات البشرية من النوع الذي يحاول علماء الاجتماع أن يصلوا إليه بدراساتهم التجريبية.  يهتدي المسلمون بهذه الحقائق في نظرتهم للكون البشري، وفي تفسيرهم لما يحدث فيه، وفي تعاملهم معه.  لا أقول إنهم يستغنون بهذه التوجيهات القرآنية عن دراسة الواقع واستخلاص الحقائق منه، لكن الهداية القرآنية تعطيهم في هذا الصدد حقائق كلية مهمة قد لا يستطيعون الوصول إليها بجهدهم البشري.  من هذه الحقائق الاجتماعية:

 

أولاً:  أن كل جماعة من البشر ترى أن ما هي عليه من المعتقد والقيم والعمل أفضل مما عليه غيرها، مهما كان ما هي عليه باطلاً بمقياس الشرع الحق:

(كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبؤهم بما كانوا يعملون) [الأنعام: 108]

ثانياً: أنه كلما كان غيرهم أقرب إليهم كان أحب إليهم:

قال تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً) [الإسراء:73]

ثالثاً: أنهم لا يرضون رضىً كاملاً إلا عن من كان على شاكلتهم:

قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [البقرة: 120]

رابعاً: أن حرصهم على أن يكون غيرهم معهم يدفعهم للضغط على المخالف –ولا سيما مخالفاً يُساكنهم- بأنواع من الضغوط تصل أحياناً حد الضرب أو السجن أو النفي أو حتى القتل:

قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) [الأنفال: 30]

(قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنُخرجنَّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودُنَّ في ملتنا.  قال أو لو كنا كارهين) [الأعراف: 88]

خامساً: أن من أهل الأديان والحضارات من يَعدُ دينه أو حضارته من خصائص قوميته او عرقه فلا يريد للآخرين أن يشركوه فيها، بل لا يراهم مساوين له حتى من الناحية الإنسانية فلذلك لا يرى نفسه مُلزماً بأن يلتزم في تعامله معهم بالقيم الخُلقية:

قال تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً،  ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [آل عمران:75]

سادساً: لكن أولئك وهؤلاء جميعاً يريدون لمعتقداتهم أو لحضارتهم أن تكون هي المسيطرة وأن يكون أصحاب الحضارات الأخرى خداماً لمصالحهم.  هذه الرغبة في السيادة والسيطرة تدفعهم لأن يعدوا العدة لضمان بقاء حضارتهم وللدفاع عنها في حال وجود خطر يهددها، وللعمل لإخضاع الآخرين لها.  وهم يستعملون في ذلك كل إمكاناتهم التي يرونها مساعدة لتحقيق هذه الأهداف بما في ذلك اللجوء إلى الحرب.

 

أوضح مثال في عصرنا على هذه الرغبة الجامحة في السيطرة، وفي الحرص على ضمان دوامها، هو حال الغرب ممثلاً في دولته الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية.  أنهم لا يخفون شيئاً من هذا الذي ذكرناه، بل يعلنون عنه في صراحة، ويفصلون الأمر فيه تفصيلاً تظنه حين تقرؤه كلاماً لخصومهم أو لأعدائهم.  وهذا نفسه إنما هو من فرط ثقتهم بأنفسهم.  فالأستاذ هنتجتون مثلاً يقرر في مقاله الذي طبقت شهرته الآفاق أن الغرب هو المسيطر الآن على المؤسسات العالمية السياسية والاقتصادية، وأن

القرارات التي تتخذها الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو صندوق النقد الدولي والتي تعبر عن مصالح الغرب تبرز للعالم على أنها المعبرة عن مصالح المجتمع الدولي.  بل إن عبارة المجتمع الدولي (التي حلت محل عبارة العالم الحر) صارت هي نفسها الاسم الملطف الذي يمنح الشرعية لكل الأعمال المعبرة عن مصالح الولايات المتحدة وسائر القوى الغربية.  فعن طريق مؤسسة النقد وسائر المؤسسات الاقتصادية الدولية يسعى الغرب لخدمة مصالحه ويفرض على الأمم الأخرى السياسات الاقتصادية التي يراها مناسبة.[4]

 ويقول:

إن الهدف من الحد من انشار الأسلحة إبان الحرب الباردة كان تحقيق توازن عسكري مستقر بين الولايات المتحدة وحلفائها والاتحاد السوفيتي وحلفائه.  أما في عالم ما بعد الحرب الباردة فقد صار الهدف الأول من الحد من  انتشار الأسلحة هو منع الدول غير الغربية من تطوير قدرات عسكرية قادرة على تهديد المصالح الغربية.  يحاول الغرب أن يحقق هذا عن طريق الاتفاقات الدولية، والضغوط الاقتصادية، والحد من نقل تقنية السلاح والعتاد. [5]

 

3. الموقف الإسلامي من حيث المبدأ
 

تلك هي مواقف الأديان والحضارات من بعضها من بعض بصفة عامة.  فما موقف الإسلام منها؟  مهمتي هنا ليست منهمة عالم السياسة الذي يصف المواقف الفعلية أو المتوقعة للأمم والشعوب والدول المنتمية للإسلام.  إن المطلوب مني إنما هو بيان موقف الإسلام من حيث هو دين، أي الموقف الذي تهدي إليه نصوص الكتاب والسنة.  إن سلوك المنتسبين إلى الإسلام متأثر بهذه النصوص على درجات متفاوتة، لكنه ليس بالضرورة متوافقاً معها دائماً.  فما الموقف الذي تهدي إليه هذه النصوص الكريمة؟

 

أولاً: من المعتقدات:
أول ما يلاحظه الناظر في هذه النصوص أنها تميز بين الحكم على المعتقدات ومعاملة المعتقِدِين.  إن معتقدات الناس –دينية كانت أو غير دينية- متعددة مختلفة، لكن الذي يعطيه الإسلام منها أهمية، ويقدمه على ما سواه، ويقسم الناس بمعياره تقسيماً أساساً، هو المعتقدات المتعلقة بالخالق سبحانه:  موجود هو أو غير موجود؟ يُعبد وحده أم يُشرك في عبادته معه غيره؟ أحد هو في ذاته وصفاته أم يشركه في بعض ذلك بعض مخلوقاته؟  أرسل رسلاً وأنزل كتباً يجب أن تُتبع أم ترك الناس سدى؟

القول الأول من هذا كله هو الحق، والقول الثاني هو الباطل، ولا واسطة بينهما إذ (ماذا بعد الحق إلا الضلال).  وكل ما كان لازماً عن المعتقد الحق فهو حق أيضاً، سواء كان صاحبه مؤمناً بالحق الأساس أم غير مؤمن، وكل ما كان لازماً عن المعتقد الباطل فهو باطل سواء كان صاحبه معتقداً للباطل الأساس أو غير معتقد.  والمسلمون مدعوون لقبول الحق حتى لو قال به غير مسلم، ولإنكار الباطل حتى لو قال به عالم مسلم.  ذلكم هو حكم الإسلام على المعتقدات.

 

ثانياً: من المعتقِدين:
أ‌.       من المسلمين.

أما المعتقدون فهم فريقان: أصحاب المعتقد الحق وأصحاب المعتقدات الباطلة.  أصحاب المعتقد الحق هم المسلمون وهم نوعان:

1.    مسلمون بالمعنى العام؛ وهم كل من اتبع نبياً بعثه الله تعالى ولم يكذب بأحد من الأنبياء الذين سمع بهم.

2.    ومسلمون بالمعنى الخاص؛ وهم أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم من كل الجنسيات وكل الأقطار وفي كل الأمصار، منذ مبعثه وإلى قيام الساعة.

أصحاب المعتقد الحق هؤلاء مأمورون بأن يوالي بعضهم بعضاً موالاة كاملة قلبية وعملية، من أي جنس كانوا وفي أي عصر أو مصر وجدوا، أحياءً كانوا أو أمواتاً:

قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [التوبة:71]

(والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) [الحشر:10]

 

ولإنهم إنما اجتمعوا على الحق فموالاة بعضهم لبعض لا تكون إلا لنصرة الحق، أي إنهم مأمورون بأن لا يتعاونوا على باطل حتى لو كان ضد عدو لهم يمقتونه أشد المقت:

قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [المائدة:2)

(ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا. إعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) [المائدة: 8]

بل إن المولاة تقتضي ليس فقط عدم التعاون والتناصر على الإثم والعدوان، وإنما تقتضي أن يمنع بعضهم بعضاً من ارتكاب الظلم والعدوان، وإن أدى ذلك إلى حمل السلاح على المعتدي المسلم:

قال الله تعالى:

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله.  فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المُقسطين) [الحجرات:9]

وقال صلى الله عليه وسلم:

انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا يارسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ فوق يديه.[6]

 

ب. من غير المسلمين

أما أصحاب المعتقد الباطل فهم كل من سوى أهل المعتقد الحق من أهل الشرك والإلحاد والكفر بأنبياء الله والتمرد على شرع الله.  فما الموقف منهم؟  إن مما يلفت نظر الإنسان في الإسلام في هذا الصدد كونه يعترف بوجود ما يُسمى الآن بالآخر، بل بدوام وجوده.  يقول الله تعالى:

(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: 103]

والإسلام يختلف في هذا عن الأديان والأيدلجيات التي لا مكان فيها للآخر.  بل قد نستطيع أن نجزم بأنه لا يوجد في دين أو أيدلجية غير الإسلام ما يوجد فيه من اهتمام بهذا الآخر وتفصيل للمواقف التي تتخذ معه في أحواله وأحوالهم المختلفة.  فالشيوعية كانت تعد قبول الناس جميعاً لها أمراً حتمياً.  وقريب من هذا رأي فوكوياما الذي يعد الليرالية والرأسمالية نهاية المطاف لكل النظم المخالفة لها. إن مثل هذه التنبؤات تجعل صاحب المعتقد الذي تنبأ بها يضيق بالآخر ويعده سائراً ضد حركة التاريخ، ومحكوماً عليه بالفناء، فلا يبالي بالكيفية التي يعامله بها، بل قد لا يبالي بالتخلص منه معتقداً أن إنما يساعد بذلك حركة التاريخ.

ماذا نفعل مع هؤلاء المخالفين لنا بعد أن أُمرنا بالاعتراف بوجودهم؟  كيف نتصرف إزاءهم في عصرنا هذا وفي ظروفنا هذه؟  أقول في عصرنا هذا وفي ظروفنا هذه بهذا التقييد لإن الإسلام يضع لكل حال موقفاً أو حكماً يصلح له ولا يصلح لحال تضاده.  فمن فقه هذا الدين اختيار الموقف المناسب للحال الذي يكون عليه الفرد أو تكون عليه الجماعة.  هذه الخاصة من خواص الإسلام يمكن أن نطلق عليها بالتعبير الحديث العقلانية.  وهي صفة يظن كثير من الناس –بل حتى من المتدينين- أنها أبعد ما تكون عن الدين.  إذ المتدين في نظر هؤلاء إنسان يعتقد أن أوامر دينه ونواهيه كلها أوامر مطلقة، لا تعطي اعتباراً لزمان أو مكان، ولا تراعي ظرفاً ولا تأبه بنتائج مهما كانت خطيرة.

لكن السلوك العقلاني عكس ذلك تماماً.  فالعقلاني إنسان يجعل السلوك والأعمال وسائل لتحقيق غايات، ويجعل هذه الغايات هي التي تحدد نوع السلوك وقيمته.  لكن هنالك فرقاً بين ما يمكن تسميته بالعقلانية الشكلية والعقلانية الحقيقية.  العقلانية الشكلية هي التي يلتزم صاحبها بما ذكرنا لكنه لا يضع اعتباراً لنوع الغاية التي يتغياها من عمله.  فالسارق الذي يحذق الطريقة التي يحقق بها سرقته ويغيرها بحسب الظروف والملابسات، ويزن الخسائر والأرباح فلا يقدم على المخاطرة بسرقة تكاليف سرقتها أكثر من المسروق.  عقلاني من الناحية الشكلية الظاهرية لكنه ليس عقلانياً في حقيقته.  وكذلك الشخص الذي يُوصف بالانتهازية؛ إنه عقلاني من حيث كونه يسلك الطرق المناسبة لتحقيق مآربه مهما كانت، ومن غير تقيد بخلق في اختيار الوسائل.  بعض المفكرين الغربيين صب جام غضبه على العقلانية واعتبرها من أسباب كثير من المصائب التي حلت بالغرب لأنه لم ينظر إلا إلى العقلانية الشكلية هذه، بل جعل العقلانية مخالفة بالضرورة للقيم والاعتبارت الروحية.[7]

لكن العقلانية الإسلامية التي نتحدث عنها عقلانية خَيِّرة.  ذلك بأن الإسلام، هو الهدى المنزل من عند الله، يحدد الناس غاياتهم الكبرى ويمدهم بالموازين التي يزنون بها وسائلهم، ولا يترك الأمر كله لتقديراتهم وآرائهم وأهوائهم.  كثيراً ما يعبر العلماء عن غاية الإسلام الكبرى بقولهم إن الدين إنما جاء لتكميل المصالح وتقليل المفاسد.  المصالح بمعناها الشرعي العام الذي يتضمن على وجه الخصوص مصالحهم الروحية.  من ذلك مثلاً أنه في ظرفٍ أَمر المسلمين بأن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة ولا يحملوا السلاح حتى على من اضطهدهم، وفي مرة أذن لهم بمقاتلته، وفي أخرى أمرهم بقتاله دفاعاً عن أنفسهم، وفي ثالثة أمرهم بجهاد الطلب.  رضي من أقوام الجزية ولم يرض من آخرين، عاهد أقواماً ولم يعاهد آخرين.  هَمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة أن يتنازل للكفار عن بعض أموال المسلمين، وهكذا.  إن الذي ينظر في هذه المواقف إذا سردت هكذا سرداً يظنها متناقضة متضاربة.  لكنه إذا نظر في ظروفها وملابساتها علم أن وضع واحد منها موضع الآخر هو التناقض.  نعم إن بعض الناس جعل الأمر بالقتال هو الأمر الناسخ لكل ما سبقه، نسخاً أبدياً يبطل أحكامها، ولا يُبقي للمسلمين خياراً إلا القتال مهما كانت الأحوال والظروف.  لكن هذا ليس بالرأي السديد. فكثيراً ما سالم المسلمون وكثيراً ما عاهدوا حتى بعد تمام الدين وموت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما أفتى لهم علماؤهم حتى بالتنازل عن بعض حقوقهم، وكان رائدهم في هذا كله تلك العقلانية الإسلامية التي تجعل الغاية من التصرفات تحقيق أكبر قدر من المنافع ودفع أكبر قدر من المفاسد بقدر المستطاع.  إن الهدف الأعلى من كل هذه المعاملات إنما هو إعلاء كلمة الله تعالى.  إن الهدف ليس تحقيق مصلحة لقوم معينين ولا لعرق معين، ولا لبلد أو أرض مُعَينة، وإن كان تحقيق المصالح الدنيوية داخلاً بالضرورة في المعاملات البشرية.

 

4. الموقف في الظروف الراهنة
لعلنا نستطيع –مهتدين بتلك القواعد- الإسلامية أن نلخص المواقف التي يجب علينا اتخاذها في ظروفنا هذه إزاء الحضارات الأخرى في أربعة واجبات: دعوتهم إلى الإسلام، وإعداد القوة لرد المعتدي منهم، والجنوح إلى السلام، وتبادل المنافع.

أولاً: الدعوة إلى الحق:
بما أن الهدف الأسمى للمسلمين إنما هو إعلاء كلمة الله، فإن أول واجب على أهل الحق نحو غيرهم هو دعوتهم إلى هذا الحق.  إنه ما أن يدخل الإسلام قلب امرئ إلا ويجد نفسه مدفوعاً لدعوة الآخرين إليه، لأن هذه الدعوة هي جزء من دينه الذي يتقرب به إلى ربه.  لكن الهداية عمل قلبي لا يمكن أن يجبر الإنسان عليه، ولذلك يقرر القرآن الكريم أنه:

(لا إكراه في الدين) [البقرة: 256]

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:

أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بَيِّن واضح دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول ليه، بل من هده الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة.  ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهاً مقسوراً.

لذلك لا يستعمل في الهداية إلا الوسائل التي تجعل المدعو يقبل الحق بإرادة واختيار.

هذه الوسائل المناسبة هي تلك التي أجملتها الآية الكريمة الشهيرة:

(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل:125]

يدخل في الحكمة  استعمال الأدلة والبراهين العلمية والعقلية.  ويدخل في الموعظة الحسنة كل ما من شأنه أن يلين قلوب المدعو ويعطفه على قبول الحق.  ويدخل في المجادلة بالتي هي أحسن حسن الاستماع إلى ما عند الآخر من أدلة، والاعتراف له بما يقرره من حق، وعدم إحراجه، وسوقه بلطف من الحقائق التي يُسلم بها إلى تلك التي ينكرها، وهكذا.

إن الدعوة نقيض الاعتزال؛ فكل من يهتم بدعوة الناس إلى حق أو باطل، إلى أمر ديني أو دنيوي، لابد أن يتصل بهم ويهتم بهم اهتماماً يدعوه إلى دراسة تاريخ من يدعو من الأقوام، ومعرفة لغاتهم وثقافاتهم، وتقويم قدراتهم، وتقدير فضائلهم ومزاياهم، وهكذا.  انظروا كيف تهتم الدول الكبرى في عصرنا بهذا كله لما لها من مصالح دنيوية فيه.  فما دام الإسلام دين دعوة إلى الحق، كيف يكون دين اعتزال عن الخلق؟

مما يشجع المسلم على دعوة الآخرين والإحسان إليهم وعدم اليأس من هدايتهم، اعتقاده بأن الإنسان مخلوق خير في أصله، فكل ما فيه من خير هو مما فطره الله عليه في أصل خلقته، وكل ما فيه من شر فأمر عارض اكتسبه ببعده عن تلك الفطرة.

 يقول الله تعالى: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) [الشمس:7-10]

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة

تتمثل هذه الخيرية أساساً في كون الإنسان خُلق ليكون عبداً لله، وكون هذه الحقيقة مركوزة في فطرته، لا تتم إنسانيته ولا تكتمل سعادته إلا بتلبية مقتضياتها.  لكن هذه الخيرية الجوهرية يتصل بها ويدور في فلكها كل ما في الإنسان من أنواع الخير الأخرى: عقلانيته، حسه الخلقي، ذوقه الجمالي، حرصه على ما ينفعه، أريحيته، وهكذا.  فالإنسان في التصور الإسلامي ليس مادة هلامية تشكلها الظروف والثقافات، كما تقول بذلك بعض النظريات الغربية، ولا هو مفطور على الشر أو وارث له كما تدعي بعض تلك النظريات أيضاً؛ وإنما هو مخلوق ذو فطرة ثابتة لا تتغير

(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) [الروم:30]

نعم إن واقع الإنسان الخارجي لا يكون دائماً متسقاً مع جوهره الإنساني، لكن ذلك الجوهر يبقى كما هو، ويبقى معه الأمل في أن يعود الإنسان إليه مهما كانت انتماءاته وتصوراته الراهنة.  وإذن فإن المسلم البصير بدينه، لا ينكر واقع الناس وتفرقهم ديانات وحضارات وشيعاً وأحزاباً، لكن بصره يظل يخترق هذه الحجب الواقعية، لينفذ إلى ما وراءها من حقيقة الناس الأصلية: إنهم عباد لله، فطرهم الله على معرفته وعبادته، وكل خير يدعون إليه.  فدعوتهم إلى الخير وإن تعارضت مع ثقافة أو مصلحة طارئة يتعلقون بها، فهي متوافقة مع إنسانيتهم، وليست غريبة عنهم ولا مستوردة إليهم من مصدر غريب عليهم، وإنما هي مكبر لصوت الفطرة الذي يناديهم من داخل قلوبهم.

(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم:30]

إن تأكيد الإسلام على ثبات الفطرة وخيريتها، يجعلها هي السابقة على الانتماءات الدينية والثقافية والحضارية.  فليست الثقافات والحضارات هي التي تصنع فطرة الإنسان وتحدد سلوكه وطرائق تفكيره، كما تقول بذلك بعض النظريات الغربية، وإنما فطرته هي المعيار الذي يمكنه من الحكم على تلك الثقافات والحضارات.  فما وافقها كان موافقاً للإنسان وسبباً لسعادته وما خالفها كان من أسباب شقائه؛ فهو مخير بين البقاء عليه أو الانفكاك عنه.  فالانتماء الثقافي أو الحضاري ليس ضربة لازب، كما تُصوره تلك النظريات وتقسم الناس بسببه تقسيمات يحسبها الناظر في كلامهم تقسيمات طبيعية باقية ما بقي الليل والنهار والجبال والأنهار.

والدين الحق النازل من السماء على أنبياء الله جميعاً منذ نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم دين موافق لهذه الفطرة.

ثانياً: إعداد القوة الرادعة:
إن الواجب على المسلمين في كل عصر أن يكون لهم من القوة ما يحقق لهم أمرين اثنين:

أولهما: إرهاب العدو حتى لا تحدثه نفسه بغزوهم أو الاعتداء عليهم بأي شكل من أشكال الاعتداء:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) [الأنفال:60]

هذا الإرهاب هو المسمي في الاصطلاح الحديث بالردع deterrence لا  terrorism

وثانيهما: عدم فتنة الكفار. لقد كان من دعاء إبراهيم عليه السلام وقومه:

(ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) [الممتحنة: 5]

وكان من دعاء موسى عليه السلام وقومه:

(ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) [يونس: 85]

قال ابن كثير:

أي لا تظفروهم بنا وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك.

ومن هنا كان إعداد القوة الرادعة أمراً مكملاً للدعوة إلى الحق، لأنه بغير هذه القوة يكون الحال صاداً عما يدعو إليه المقال.  إن واقع عالمنا يؤكد لنا أهمية هذا الذي يهدينا إليه كتاب ربنا.  إن دول العالم تتسابق الآن كلها على اقتناء السلاح.  منها ما يفعل ذلك بغرض الدفاع عن نفسه في حالة الاعتداء عليه، ومنهم من يفعل ذلك لمجرد الردع، ومنهم من يفعل ذلك لاكتساب المواقع الاستراتيجية ولنشر ما يؤمن به من مبادئ وقيم ونظم، حتى تكون هي المبادئ والقيم والنظم العالمية.

ولأن أرضنا أصبحت كالقرية الواحدة التي تتشابك مصالح الناس فيها تشابكاً كبيراً لم تعد المنافسة على السيطرة فيها قاصرة على أجزاء محدودة منها بل صارت عليها كلها. لكن السيطرة العالمية هذه له تكاليفها الباهظة.  خذ مثال الولايات المتحدة مرة ثالثة.  يخبرنا الأستاذ ستيفن آمبروز صاحب كتاب النهوض إلى العالمية: سياسة أمريكا الخارجية منذ عام 1938: أنه بعد

نصف قرن من الحرب العالمية الثانية أصبح للولايات المتحدة جيش ضخم من القوات العاملة البرية والجوية والبحرية، وأن ميزانية وزراة الدفاع زادت عن 300 بليون دولار.  وأنه أصبح للولايات المتحدة تحالفات عسكرية مع أكثر من خمسين أمة، وأن لها أكثر من مليون جندي من المشاة والطيارين والبحرية في أكثر من مائة قطر.  وأن لها مقدرة هجومية كفيلة بأن تدمر العالم عدة مرات.  وأنها استعملت قوتها العسكرية للتدخل في الهند الصينية، ولبنان، وجمهورية الدومينيكان، وجرانادا، وأمريكا الوسطى، والخليج، وأنها أعانت على غزو لكوبا، وأنه وزعت كميات كبيرة من الأسلحة على دول صديقة في العالم، وأنها خاضت حروباً باهظة في كوريا وفيتنام.  ولكن بالرغم من كل الأموال التي صُرفت على الأسلحة، ومهما كان بعد المدى الذي بسطت عليه أمريكا قوتها، فإن الأمن القومي لأمريكا ظل في خطر دائم.[8]

ثالثاً: الجنوح للسلم:
لكن إعداد القوة لتلك الأهداف التي ذكرناها يجب ألا يمنعنا من الجنوح المخلص للسلم ودعوة العالم كله إلى حل مشكلاته كلها بالتفاهم والعدل والقسط.  إنه لا يمكن لإنسان عاقل يعرف ما لا يزال العالم ينتجه ويخزنه من أسلحة الدمار، ويعرف الأضرار البالغة الناتجة عن استعمالها، إلا أن يكون مع الداعين إلى تجنب الحروب، محلية كانت أو عالمية.  لكن تجنب الحروب يقتضي تجنب أسبابها من كل أنواع الظلم والعدوان.  هذا أمر لا تجدي فيه القرارات السياسية وحدها، بل ينبغي أن تتضافر الجهود لجعله جزءاً من ثقافة الناس وقناعاتهم التي يلتزم بها قادتهم ورؤساؤهم.

ونحن المسلمين أولى الناس بهذه الدعوة لتلك المصالح التي يشاركنا فيها غيرنا، ولسبب آخر خاص بنا، وهو أن السلم سيساعد بإذن الله على نشر هذا الحق الذي حبانا الله بمعرفته والإيمان به، وكلفنا بالدعوة إليه.  كيف؟ إن أهم ما يميز عالمنا المعاصر هذا هو التوسع العظيم في العلوم الطبيعية.  وقد كان لهذه العلوم جوانب ثلاثة:  أحدها الحقائق التي اكتشفتها وجعلتها جزءاً من ثقافة الناس ومعارفهم، وثانياً المنهج العقلاني الذي سلكه العلماء للوصول إلى تلك الحقائق، والذي صار أمراً مسلماً بصوابه عند عامة المثقفين.  وثالثها التقنية التي بينيت على تلك الحقائق والتي جعلها الله سبباً لتيسير الحياة في كثير من جوانبها.  لذلك كله أُولع الناس ولا سيما الغربيين منهم بهذا العلم أيما إيلاع حتى كانوا يظنونه إلى مطلع هذا القرن سيحل حتى المشكلات الخُلُقية والروحية، فيحل بذلك محل الدين.  لكن هذه الثقة تزعزعت بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بدأت تتضاءل كلما رأى الناس أن التطور العلمي لم يصحبه تطور خُلقي ولا روحي، بل واكبه تقهقر روحي وتدهور خُلقي.  لهذا بدأ الناس في العالم كله يبحثون عن الدين مرة أخرى، حتى صار ما يُسمى بالأصولية ظاهرة عالمية، فما من أهل دين إلا وقد بدؤوا يرجعون إلى دينهم ينشدون فيه ما لم يجدوه في العلوم الطبيعية.  لكن الناس –ولاسيما المثقفين منهم- لا يمكنهم أن يعودوا إلى الدين مخلفين وراءهم ذلك المنهج العلمي الذي زودتهم به تلك العلوم، ولا يمكنهم أن يمحوا من ذاكرتهم الحقائق التي أطلعتهم عليها.  بيد أنهم إذا ما تزودوا بزاد المنهج العلمي وحملوا معهم حقائقه في عودتهم إلى دينهم واجهتهم مشكلة هي أن أديانهم تقوم على دعاوى لا برهان عليها، وعلى معتقدات لا اتساق فيها، وكلا الأمرين لا يقبله المنهج العقلاني الذي رسخته في أذهانهم العلوم الطبيعية.  ثم وجدوا تلك الأديان تقرر مسائل أثبت هذا العلم بطلانها.  لقد نتج عن هذه الرغبة في العودة إلى الدين مع البقاء على المنهج العلمي مجالاً جديداً من الدراسات صار مقرراً في بعض الجامعات، أعني دراسة الصلة بين الدين والعلم التجريبي، ومحاولة التوفيق بينهما.  إن لسان حال هؤلاء العقلاء من الدارسين يقول: أيا ليت لنا ديناً لا يأتي بمحالات العقول، ولا بما يكذبه الواقع المشهود، ويكون مع ذلك محققاً لما نرجوه من الدين من إشباع لأرواحنا واستقامة لأخلاقنا.  وسيقول لهم المسلمون إن ما تمنيتموه عندنا فهاؤم اقرؤوا كتاب ربنا وسنة نبينا.

كلي أمل في أن يثوب كثير من الغربيين إلى الإسلام عن هذا الطريق كما يثوبون إليه عن طرق أخرى.  ويوم ذاك لن تكون الحضارة الغربية حضارة نصرانية يهودية فحسب كما هي الآن، بل وإسلامية أيضاً.  وإذا كان الدين هو أهم مكون للحضارة كما يقول هنتجتون فإن الشقة بين الحضارة الغربية والإسلامية ستضيق ويضيق بسببها احتمال الصدام.

رابعاً: تبادل المنافع:
إن التعايش السلمي بين أهل الأديان والحضارات كلها يُيسر عليهم تبادل المنافع المادية والفكرية، كما ييسر عليهم التعاون على حل المشكلات التي يبتلون بها جميعاً.  إن ضمور العالم من حيث الاتصالات والمواصلات لم يخل من كثير من الآثار السيئة.  فالأمراض تنتقل بسرعة من بلد إلى آخر، وتنتقل كذلك المخدرات والمجرمون، وأفلام الرذيلة والضلال.  ثم هناك مشكلة تلوث البيئة وما نتج عنها من خرق لطبقة الأوزون، وما يُقال إنه سيترتب على ذلك من مشكلات على مستوى الكرة الأرضية كلها.  كل هذه المصائب المشتركة تستدعي تعاوناً بين الناس في المجتمع الدولي.

لكن التعاون لا يقتصر على مواجهة هذه المصائب المشتركة، بل إن التعايش السلمي يساعد كل أمة على أن تتعاون مع من شاءت من الأمم التي ترى في تعاونها معها تحقيقاً لمصلحة الطرفين.

غير أنه من البديهي ان هذه الصورة المثالية للتعاون لن تتحقق  إذا  ظل أهل الحضارة الغربية على خوف دائم من أن تضعف أو تزول سيطرتهم، وعلى حرص دائم لذلك بأن لا يتطور غيرهم.  إن هنتنجتن يرى أن الصدام القادم سيكون بين الحضارة الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية من جهة أخرى، أي أن الحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية ستتعاونان على مواجهة الحضارة الغربية.  لماذا تتعاون هاتان الحضارتان؟  ألأن الصلة بينهما أقوى من صلة كل منهما بالحضارة الغربية؟  إن هنتنجتن يُخبرنا بأن أهم مكون للحضارة هو الدين.  فهل يقول إن الكنفشيوسية أقرب إلى الإسلام من النصرانية؟  ما أظن أحداً يعرف الديانتين، ويعرف مكانة النصرانية واليهودية في الإسلام بالنسبة إلى غيرهما من الأديان، يمكن أن يقول هذا.  وإذن فإن السبب الحقيقي لهذا التعاون إن حدث لن يكون نابعاً من طبيعة الحضارتين، بل من معاملة الحضارة الغربية لهما.  أريد أن أقول إن الحضارة الغربية هي التي تدفع الآخرين لمعاداتها حين تعمل على الوقوف في طريق التطور الطبيعي لغيرها، وحين تعد كل ما عداها خطراً عليها فتتحدث عن الغرب والآخر The West and the rest تماماً كما كان بعضهم ولعله لا يزال يصف كل من ليس على دينه بالأميين ولا يرى أنه مُلزم في التعامل معهم بخلق ولا دين.

رمضان 1416 هـ الموافق فبراير 1996م


 
--------------------------------------------------------------------------------
 
 1 مقال صراع الحضارات، صامويل هنتجتون Samuel Hintington, Clash of Civilizations?  Foreign Affairs, Summer 1993

[2]  أنظر مثلاً: James Kurth, The Real Clash, The National Interest, No. 34, Fall 1994

[3]  هذا هو رأي فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، الذي أثار جدلاً كثيراً في الغرب حين صدوره.

Ftancis Fukuyama, The End of History and the Last Man, The Free Press, New York.  1992

[4]  هنتجتون ص 39 ، مرجع سابق

[5]  هنتجتون ص 46 ، مرجع سابق

[6]  رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، في كتاب المظالم.

[7]  Voltaire’s Bastards, London, 1992 

[8]  Stephen Ambrose, Rise to Globalis, Penguin Books.  1993, p. xi.

 المصدر

Comments
أضف جديد بحث
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
الموقع الالكتروني:
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
 
الرجاء إدخال الرمز الذي تراه في الصورة

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث ( 02/12/2007 )
 
< السابق   التالى >
spacer

spacer
© 2010 موقع الدكتور فهد بن عبدالله التركي