|
"أشعار محمد إقبال في صدر شبابه".. عمل أدبي جديد |
|
|
|
|
الكاتب/ إدارة الموقع
|
|
30/05/2007 |
|
"أشعار محمد إقبال في صدر شبابه".. عمل أدبي جديد صلاح رشيد حظي الشاعر الإسلامي محمد إقبال بالعديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية؛ نظراً لمكانته كواحد من مفكري الإسلام الكبار في القرن الأخير، ولما تمتاز به آراؤه الإصلاحية من جدة وابتكار، ومعايشة للواقع، بجانب الارتكان إلى التراث الإسلامي الرصين، واستمداد ما يواكب العصر، لإيجاد حلول لمشكلات مجتمعاتنا الحديثة، وقد صدح إقبال بأشعاره في جميع المحافل لخدمة قضايا الإسلام والمسلمين، ودفاعاً عن وطنه باكستان الذي طمح أن يصبح دولة مستقلة عن الهند، وهو ما تحقق بعد وفاته بسنوات عدة.
وإذا كان شعر إقبال قد لاقى متابعة وإشادة من الأدباء والنقاد،، لاسيما دواوينه الفلسطينية والدينية التي تتغنى بروعة الإسلام وسماحته وحضارته، وهي الأشعار التي قالها إقبال في أواخر حياته، فإن الجديد هذه المرة الذي لم يطلع عليه القارئ العربي من قبل، هو مجموعة أشعار تسمى "بكليات إقبال" كتبها في مقتبل عمره، وقبل أن يتفرغ للدكتوراه ويصبح من كبار المصلحين في العالم الإسلامي. هذه الأشعار مكتوبة باللغة الأردية، ولم تترجم إلى العربية برغم ما تتضمنه من معانٍ عظيمة، وجماليات فنية، وإيحاءات وتحليقات بارعة في ساحة الفن والجمال، والتي لو لم يقل إقبال غيرها، لكفته دليلاً على شاعريته الأصيلة. هذه الأشعار تبلغ ما يزيد على أربعة آلاف بيت، تتحدث عن مشايخ إقبال في الهند وأساتذته، الذين نهل من أشعارهم كثيراً .. إلى جانب مجموعة من الحكايات الشعرية التي خصصها للأطفال، بأسلوب رشيق، وموسيقى محببة إلى نفوس الصغار، حتى ليتخيل من يطالعها أن وراءها روح طفل هائم، يسبح في خيالات الصبا، ويمتاح من نسج أقاصيص هذه الفترة الخصبة من حياة الإنسان. كما تحوي هذه الكليات الإرهاصات الإصلاحية الأولى لفكر إقبال التجديدي، بجانب رهافة الحس التي ملأت نفسه، وسيطرت على حياته. هذا الديوان المخطوط، قام عليه بالعناية والرعاية، والشرح والتعليق والترجمة إلى الشعر العربي الرصين الدكتور حسين مجيب المصري، وقد بذل جهداً في استكشاف شاعرية إقبال الأولى، ومدى مغايرتها لكل ما كتبه من أشعار بعد ذلك. وبنظرة لغوية فاحصة لهذا العمل نتبين أن الدكتور حسين ألبس هذا العمل ثوباً قشيباً، وجعله شعراً عربياً موزوناً مليئاً بالأحاسيس والعاطفة، نظراً لأن الدكتور المصري يرى أن الشعر لا يترجم إلا شعراً، وأن الشاعر القدير، هو من يتفنن من أجل أن يجعل الترجمة مثل الأصل. وبعقد موازنة فنية بين الأصل والترجمة، نستطيع أن نتأكد أن الدكتور المصري هو خير من يقوم بهذا العمل، ويكفيه فخراً أن ينسب إليه هذا العمل. ففي قصيدة "لطائر اليراعة" نجد النص الأصلي النثري يقول: كان طائر مغرد في المساء، كان يغرد جالساً على غصن. أما الترجمة الشعرية الرائقة التي كتبها الدكتور المصري فتقول: في مساء طائر كان يغنى يتعالى ويحط فوق غصن هنا نلحظ الفارق الواضح بين لغة النثر ولغة الشعر المحلق، ففي الأولى نجد جملتين مباشرتين، أما في الثانية فيعيش الشعر بأوزانه وموسيقاه، فالطائر هنا يطير متعالياً، ويحط في مكان فوق الغصن، أي أنه متحرك في المكان والزمان، أما في الأصل النثري، فهو جالس ثابت بلا حراك، ولذلك فإن ثبوت الطائر وجثومه يصيب القارئ بعدم إدهاش فني، بل لا يهزه كما يفعل الشعر وكما فعل الدكتور المصري. بعد ذلك يقول النص الأصلي النثري: فرأى شيئاً لامعاً على الأرض، فطار إليه ظنا منه أنها يراعة، في حين أن الترجمة الشعرية تقول:وعلى الأرض رأى شيئاً لمع ويراعاً خالها ثم وقع في الأصل؛ نجد الأسلوب يتكون من الجملة الفعلية العادية دون إضافات بلاغية، أما في الترجمة الشعرية فإن التقديم والتأخير، يوحي في نفس القارئ عوالم أخرى، وانجذاباً نفسياً، وكأنه قد وقع في أسر القصيدة، فلم يستطع إلا التأثر الواضح بها، والتعلق بأهدابها. وفي البيت الثالث يقول النص النثري: فقالت اليراعة أيها الطائر المغرد، لا توقع منقارك الحاد على الضعيف. أما الترجمة الشعرية فتقول: ثم قالت أنت يا هذا المنيف نح منقارك عن هذا الضعيف هنا تتأكد أهمية الموسيقى الداخلية والخارجية في الشعر، وقيمة التلاعب الفني بتراكيب الجملة العربية؛ ونصل إلى قول اليراعة للطائر في النص النثري: إن الذي أعطاك التغريد، وأعطي الزهرة الرائحة، هو الله الذي أعطاني اللمعة. بينما نجد الترجمة تقول: إن من أعطاك صوتاً وجمالا لمعة لي ولزهر ما تعالى وهكذا جمع الطائر في كفة وشطر بيت، واليراعة والزهر في الكفة والشطر الآخر، لكي يصل إلى النتيجة المرجوة، وهي أن الطائر مغرور، في حين أن اليراعة والزهر يتبتلان في محراب الجمال الكوني وتسبيح الخالق عز وجل. وفي قصيدة أخرى بعنوان: "الرضيع" يقول الدكتور المصري مخاطباً الطفل الرضيع: أنت تبكي، منك سكيناً أخذت ذاك عطف، إنني ما إن قسوت وعزيز أنت يا هذا الصغير وحديث العهد بالكون الكبير فلماذا قد رغبت في المضرة؟ مزق الأوراق مزق ألف مرة أنت لا تعرف غثًا من سمين إنها القدرة تبدو في الجبين وفي قصيدة: "قصة حياة الإنسان" لمحمد إقبال نقرأ ترجمة الدكتور مجيب المصري: أين من يسمع مني قولتي؟ أين من يصغي لسردي قصتي؟ ثم يردف بعد ذلك: عالم فيه بحثت عن حقائق ملكاً في العلم قد كنت أسابق والإشارة هنا في البيت إلى قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها)(البقرة: 31)، وهو ما يثبت تفوق آدم (عليه السلام) على الملائكة في العلم، عندما علمه الله أسماء الأشياء والطيور والمخلوقات. مما سبق يتأكد لنا أن منهج الدكتور حسين مجيب المصري الذي ألزم نفسه إياه، وهو أن الشعر لا يترجم إلا شعراً، هو المنهج الصحيح الذي يليق بالأدباء أن يلتزموا به، طالما أنهم امتلكوا أدواته الفنية المتمثلة في المقدرة والفهم الأصيل لكلتا اللغتين المنقول منها وإليها، أما غير ذلك فإنه يكون عملاً بلا طائل، وجهداً بذل في مهب الريح. صلاح رشيد - مجلة المجتمع
|
|
آخر تحديث ( 14/06/2007 )
|