|
الأدب الإسـلامي فـي مـواجهــة «الـلا أدب»
عبدالتواب يوسف إن الأدب الذي لم يزل يواجهنا منذ خمسين سنة على الأقل من العواصم العربية الكبرى، التي كان لها التوجيه، وكانت لها الزعامة الفكرية والدينية غرست في قلوب الناشئة وفي قلوب الشباب، بل في قلوب كثير من الكهول بذورا من الشك والاضطراب.. تشككوا حتى في وجودهم، تشككوا في كل ما تواتر، واستفاض،
من البديهي أنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة إيطاليا وألمانيا، وسقوط الفاشية والنازية، واندحار اليابان، وأصبح من قبيل البدهيات.. أن هذه الكتب التي أريد من ورائها رزق أو شهرة أو زعامة فكرية أو هتاف وتصفيق حاد، أن هذه كلها غرست في قلوب شبابنا الشك والحيرة والتناقض، ولست أستغرب هذا الوضع، الذي، هو السبب الرئيسي والسر الحقيقي وراء حيرة الشباب.. * * * هذه السطور منقولة عن كتاب «نحو التربية الإسلامية الحرة» الذي كتبه «أبو الحسن الندوي»، وقد استوقفتني طويلاً ورحت أتمعن فيها، وفي البداية تساءلت.. ـ متى بدأت هذه السنوات «الخمسون»؟ بعد انتصار من سموا «الحلفاء» خلال النصف الأول من الأربعينيات، وما إن كفت المدافع والطائرات عن إنزال الموت بالبشر، حتى أصبح «الحلفاء» فرقاء، واشتعلت بينها حرب باردة، وإن كانت لا تقل ضراوة عما سبقتها، وبدلاً من أن يقيموا عالماً يعيش السلام، والتنمية، والرخاء، ويعرف لله سبحانه وتعالى حقه في أن يعبد، وأن يسبح بحمده، وأن تضيء كلماته وتعاليمه العالم كله لجأت الكتلتان: غرباً وشرقاً، إلى تقسيم البشر، وسلبهم كل ما يملكون، من خيرات الدنيا، وكان نصيب المسلمين أن يجردوا من كل شيء، وبالذات إيمانهم. في الشرق أعلنوا «أن الدين أفيون الشعوب»، وقالوا إننا مخدّرون، وحاول الغرب أن يستثمر ذلك ويتاجر فيه، وفوجئنا بأكداس من الكتب والأدب من الطرفين، تقض مضاجعنا، وتفسد علينا كل شيء، وتجرنا إلى المشاركة في صراع، لا ناقة لنا فيه ولا جمل، وبدلاً من أن نغوص في أعماق الدين السمح، نستوحي منه أعمالاً، تفيد الناشئة في دنياهم وآخرتهم، إذا بنا ننساق مع هؤلاء تارة، ومع أولئك تارة أخرى، دون أن نتنبه إلى محاولاتهم الدائمة والدائبة لاجتذابنا بعيداً عما نحتاج إليه بحق وصدق.. وهرب الكتّاب والأدباء والمفكرون إلى تلك الساحة، وكنا قبل الحرب منقسمين بين ثقافة أنجلوسكسونية، وثقافة فرانكفونية، ثم انقسمنا بعدها إلى ثقافة غربية وأخرى شرقية، ناسين أنفسنا وحقيقتنا، غافلين عن أن ذلك باعد مابيننا ومابين استيحاء الدين الحنيف فيما نقدم للناشئة والشباب، وكانت النتيجة حيرة ما بعدها حيرة، وتخبط مابعده تخبط، لأننا لم نسأل أو نتساءل.. ـ ما هو مكاننا الصحيح السوي من هذا الذي يجري؟ لماذا نعمل لصالح هذا أو ذلك، ولا نعمل لحساب أنفسنا؟!.. كان الذي يحدث إبان هذه الفترة ـ التي امتدت لنصف القرن ـ أنه ما يكاد يظهر مصطلح في الغرب ـ وفي الشرق أيضا ـ حتى نلهث وراءه، ونترجم الأعمال التي ينطبق عليها «المصطلح» الوافد علينا، بل وكنا أحيانا نبحث في أعمالنا القديمة لعلنا نجد شيئا، يتواءم مع التيار الجديد، ومع الابتكار الحديث، وإذا لم يحدث ذلك اتهمنا بأننا قد تخلفنا عن «العالم» لأنهم أصبحوا هم «العالم» أما نحن فإننا بلا وجود، وبلا هوية، ولا قيمة.. خاصة إذا لم تَعْوّج ألسنتنا، وأفواهنا بنطق تلك المصطلحات وأسماء مبتكريها!!، وإن هي إلا بضع سنوات ويأتي جديد، حتى أضحت المدارس الأدبية أشبه بعروض الأزياء، وعلينا أن نستخدم أحدثها، سواء قدمت إلينا من باريس، أو لندن، أو واشنطن، وأصبح أدباؤنا «يحجون» إليها بحثاً عن «الحديث»! * أدب «التغريب» و«التغييب» لا يصلح قط لديار الإســــلام كانت كلمة «الحديث» عندنا تعني الحديث النبوي الشريف.. وإذا بها تعني «التجديد» الذي نسعى إليه، تقليداً لهم، وتحولنا إلى «قرود» نستورد منهم وعنهم كل شيء، أدوات الطباعة، وما نطبعه عليها، كان البعض يترجم ويقلد انجلترا أو فرنسا، ثم صار يقلد أمريكا أو روسيا، ولم نعد «ديار الإسلام»، التي تأخذ من عالمها ما يمكن أن يثريها، وليس مايذهب بفكرها إلى أدراج النسيان.. أليس ذلك هو ما صنعته عواصمنا في «بيروت» وغير بيروت، وراحوا يصدرون إلينا صباح مساء ما يجرنا بعيداً عما يجدر بنا أن نفكر فيه ونعمل له.. ذات يوم كنت في فرنسا، وقال لي ناشر: ـ هل تحبون «فرنسوا ساجان» إلى هذا الحد؟ ضحكت وسألته: أي حد؟ قال: ظهرت لها رواية بالعربية قبل أن تصدر بالفرنسية! وأذهلني الأمر، وسألته، كيف كان ذلك؟ أجاب: لها رواية بدأت عمليات طباعتها، وفجأة أضرب عندنا عمال الطباعة، وكانت نسخة من البروفات قد خرجت من المطابع، لا ندري كيف، ووصلت إليكم وإذا بكم تصدرونها قبل أن تنتهي إضرابات عمال المطابع!! إلى هذا الحد، تغربنا.. بل إن رواية «مزرعة الحيوانات» التي كتبها جورج أوريول صدرت في ست ترجمات عربية.. بمساندة ومساعدة من جهات أجنبية وعربية لأنها تدين «الشيوعية» ولست أظن أن هناك كتاباً إسلامياً قد لقي مثل هذا الاهتمام،.. اللهم إلا ذلك الذي يقول إن أبا ذر لم يكن ماركسياً، وقد أداننا عمل روائي رائع هو «رحلات ابن فطومة» إذ ذهب الرجل في رحلات إلى بلاد الأدغال، ثم إلى بلدان الحرية ـ الغرب ـ ثم إلى أرض «العدالة» ـ يعني الدول الشرقية ـ ووجد أن لديها ما هو أفضل مما لدينا نحن في ديارنا: ديار الإسلام، كأن صاحبها يقول لنا: استيقظوا.. أصحوا.. أفيقوا.. ورأى بعضهم فيما يقوله نقداً حاداً لحالنا ومآلنا، وأصبح العمل ضده، بدلاً من أن نتنبه لما يقول، ويحذرنا منه.. أدانوه به، مع أنه يديننا لأنه يريد لنا اليقظة.. ونريد لأنفسنا السبات العميق والهروب، لا المواجهة.. ولقد أصبح بعض الناشئة في بلادنا يلهون ويلعبون بالعروسة والدمية «باربي» ونسوا «عرائس من الصوف كانوا يلهّون بها الصغار عن جوعهم وعطشهم أثناء الصوم».. وتمادت «باربي» وغير باربي إلى مناطق محظورة، حين وضعوا في بطنها جنينا، تفتح الطفلة «السوستة» لكي تخرجه، لتلهو به، واشتدت الحرب ضدنا إلى حد إطلاق اسم «مكة» على ملهى ليلي يعج بالعاريات والكحوليات، ولفوا لنا الملابس الداخلية من متاجر اليهود في ورق يحمل الشهادتين، استهانة بنا، واحتقاراً لشأننا.. ثم واصلوا ذلك احتفالاً بأعمال أدبية تافهة مثل (آيات شيطانية)، وغيرها مما يخرج على «الأدب» بمعنييه، ويصل بنا الأمر إلى منتهاه حين يشرع بعضهم في ترجمة هذا السفه البين، ذلك لأننا أتحنا لهم الفرصة لغزونا بكل السبل، وبالذات بالفكر والفن والأدب، لأن أعمالنا لم ترفع راية «لا إله إلا الله» وأبت إلا أن تنصاع إلى «التمزق» و«التشرذم» و«الضياع» تقليداً لما يفعلونه، وكان الجدير بنا أن نهدأ نفسيا ونستقر اجتماعياً، في أعمالنا الأدبية، لو أنها انحازت إلى «الله أكبر».. و«ألا بذكر الله تطمئن القلوب».. قلوبنا في أعمالنا الأدبية ليست مطمئنة لأن أبطالها لا يذكرون الله، ولا يعملون بموجب شريعته الغراء.. وآمل ألا يتصور بعضهم أني أريد أعمالاً أدبية وعظية، لكنني أريد أعمالاً يفوح عطر الدين من بين سطورها، ويعرف أبطالها «الله» بديلا عن الأصنام الجديدة: كتاب أدب الغرب، والمرأة، والدولار.. نريد أعمالا شامخة تؤكد أنه لا طريق غير طريق الله، وقرآنه، ونبيه.. لكن أنى لنا ذلك وأعمالنا تتحدث عن «الغربة» و«الوجودية» وكل «موضة» جديدة في الشكل والمضمون، تجعلنا نرى تراثنا ضائعاً ومتخلفاً، وقد عفّى عليه الزمن. *الأدب الإنساني العالمي نتـعاطف مـعه، إلا إذا.. إن الناشئة في بلادنا قرأت على يد مأفون، يزرع الدنايا في نفوسهم «إن الله خلق الدنيا في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع»، ويصرخ المؤمنون، وحين يريد مسلم مؤمن أن يدين هذا، نجده يسب كتَّاب أدب الأطفال جميعاً.. ماذنبهم، وهذا المارق يكتب ما كتب؟.. إنه يكتب لهم: «إن سيدنا إبراهيم حفر بئر زمزم من أجل ولده إسماعيل».. ونستصرخ المسئولين عن هذا العبث، وإذا بهم يصمتون، بل يتيحون له أن يستمر ليقول «إن الطبيعة قد أعطت للمخلوقات كذا وكذا».. ونقول «لا حول ولا قوه إلا بالله».. ولأن وراءه من يساندونه ويعلون من شأنه مع ضحالة ثقافته، وتهافت كتابته، إلا أنه يظل يطل علينا مع الصباح بهذه العبارات النجسة، ولسنا نملك إزاءها إلا أن نقلب أيدينا في حسرة لما آلت إليه الأمور.. نحن لا نستطيع أن نحمي صغارنا من هذا الأفّاق الذي يخفي هويته ودينه وراء قناع النقل من الكتب الإسلامية إلى حد أن أحدهم، أطلق عليه صفة «الكاتب الإسلامي الكبير» وما هو بمسلم، بل وصلت به الوقاحة إلى حد التقدم للحصول على جائزة إسلامية، بكتب نشرتها له هيئات تحارب الإسلام وتطعن فيه.. ومازال يعربد ويبذر في نفوس الناس: ناشئةً وشباباً، وكهولا، بذور الشك،وينفث فيهم سمومه، وما من أحد نلومه غير أنفسنا، وغير غفلتنا.. نعم، يتشكك هؤلاء، حتى في وجودهم، وليس هناك أيسر من ذلك إذا كان هناك من يقول لهم «إن الطبيعة هي التي تعطي الطيور أجنحتها»، وما إلى ذلك، وأستغفرك ربي إذ يترك مثل هذا القلم الثعباني، ويترك له الحبل على الغارب، ليطالع الناس في أكبر صحيفة يومية.. الأعجب، أنه يكتب كلاماً من لون آخر في صحيفة دينية أخرى، نفس القلم.. تصوروا: يكتب هنا للمسلمين، وهناك لغير المسلمين، ولا ضمير، فهو يكسب من هنا وهناك، يكسب رزقاً وشهرة، وزعامة فكرية.. بل يكسب أيضاً هتافاً وتصفيقا حاداً، بل يصدر مئات الكتب، ليس فيها سطر واحد من عنده، وحين ينبو القلم في يده، يجد من يدافع عنه: إنها هفوة، ولا نعثر نحن على جهة واحدة تساندنا في نشر أعمالنا الدينية، التي تستمد مادتها من إيمان مطلق بأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.. بل قالتها علانية وبصراحة. واحدة من لبنان: ـ أنت أغرقت الأسواق بكتاباتك الإسلامية.. وتصعقني العبارة، وكلمة «أغرقت»، وكان ردي: ـ إني لا أريد للناشئة أن تغرق في سوق الإلحاد، وأن «تتغرب» فكرياً.. أريدها ناشئة مؤمنة.. بالله، والدين، والوطن.. وقالتها لي مسئولة كبيرة: ـ هل اتجاهك هذا بحثاً عن سعة الانتشار؟ كان ردي: ياسيدتي، ما من كاتب حاول أن يعرف الناشئة بأدب العالم كما فعلت.. لقد فتحت لهم نافذة على الآداب العالمية الرائعة والفريدة.. كما فعلنا أيام المأمون.. لكنني لا أنقل إليهم إلا ما هو إنساني، رفيع المستوى، ويتفق مع قيمنا.. ولا أخشى عليهم منه، لأنه يتسق مع «إسلامياتي» ويسايرها، ويواكبها.. لن أغلق الباب قط في وجه الأدب الجميل.. لست زارعاً للشك، بل للإيمان.. لست واضعاً إياهم في «حيرة»، بل أسعى لاستقرارهم الاجتماعي والنفسي.. ولا أرغب غرس «تناقض» بينهم وبين العالم: لقد جاء الإسلام لكل الناس، للعالمين، ولخير البشر، لذلك أضع بين أيديهم مايزيل كل تناقض، وما يحقق كل الاستقرار.. أحدثهم عن زهد المسلمين.. وعن مال المسلمين.. وعن عدل المسلمين.. وعن.. وعن.. وفق منهج يستهدف المزيد من الإيمان بالعقيدة، والقرآن الكريم، والحديث الشريف، وأركان الإسلام وسيرة الرسول والصحابة، والأنبياء والصالحين، وعن القيم الإسلامية الرفيعة، التي تساند الخير والصدق والأمانة، وتنبذ الشر والحقد والكذب.. وصولاً إلى الحضارة الزاهرة التي صنعها المسلمون للإنسانية قاطبة، والتي أخذوا عنها ليصنعوا حضارتهم.. وأنا على يقين بأننا سوف نصنع بالإسلام الحضارة القادمة.. *أدبنا الإســـــــلامي للناشــــــئة من أجل خير الدنيا والآخرة كيف يشك من يقول «لا إله إلا الله»؟ كيف يضطرب من يتلو آيات الله ويقرأ قرآنه؟ كيف يحتار المسلم المؤمن والطريق واضح مضيء أمامه؟ نعم، هم يكيدون لنا، من خلال أفكار يسلطون عليها الأضواء ملونة مزركشة، لتبهر منا العيون بعض الوقت، لكن مع مضي الزمن نكتشف أنها زائفة، زائلة، وتبقى كلمة الله، جل جلاله.. ولن نضل السبيل إذا نحن وضعناها نصب أعيننا، واستوحينا منها ما نكتبه للناشئة، والشباب.. ولست أنسى حكاية الخليفة الذي أراد أن يعرف حال «بلد» فأرسل اثنين من رجاله، أحدهما مؤمن ذهب يبحث عن ذلك في بيوت الله، والآخر مارق راح، إلى المواخير، وعاد كل منهما يحكي من زاويته.. الأول يقول: إنهم طيبون أخيار، تمتلئ بهم المساجد وتعمر، والآخر يتحدث عن مروقهم، وإقبالهم على الشر.. والحق أن الناس فيهم، وفيهم.. والناشئة والشباب الذين يقرؤون أدبا رفيع المستوى لن ينتابهم الشك والاضطراب والحيرة، وهؤلاء لا خوف عليهم.. أما رواد الأدب العاري، من الأعمال البوليسية، والكتابات الرديئة فهم الذين سوف يعانون من مشكلات العصر، وهي بلا حصر.. ورب قائل: هناك من يصل من الشك إلى اليقين، ونقول: ليكن، وباب التوبة مفتوح، لكننا بحاجة إلى مؤمنين يزدادون إيماناً، وتقاة يزدادون تقوى، وذلك هو طريق الرشاد، إذ أننا مع الفئة الأولى يضيع وقت قد يطول، ضرباً في بيداء الجهالة والشك، والاضطراب والحيرة، ونحن بحاجة إلى من يختارون سبل الإيمان، ويكرسون أنفسهم له، وما من رغبة لنا في عمل أدبي بوليسي، ينتصر الشر على مدى صفحاته، ويعاقب الشرير في سطور أخيرة.. إننا نرغب في أعمال رفيعة المستوى، يعلو فيها المؤمن درجة، بعد درجة، وصولاً إلى ذروة يحقق صاحبها فيها ذاته، وتنتصر صفاته الخيرة على كل صنوف الإغراء، والبغي، وما إلى ذلك من سلبيات.. ذلك هو مانريده ونستهدفه، لهذا نضيق صدراً بأعمال تريد أن تقول لنا: إن «الإنسان» هو كل شيء، وأن «العقل» وراء كل إنجاز، وأن.. وأن.. غافلين عن خالق الإنسان، ومبدع العقل ذاته، والذي يقول للشيء: كن، فيكون، أينبهرون بمخلوق، وينسون «الخالق» سبحانه، وغفرانه لنا على أساليب يبتكرها مخلوقاته، فنذهب من ورائها، لتضللنا، بينما أمامنا من يمسك بيدنا ويهدينا سواء السبيل، ويضيء لنا الطريق الذي يقودنا إلى خير ما في الدنيا، وما في الآخرة. ذلك هو لون الأدب، الذي نرتضيه للناشئين والشباب، سواء صدر في الغرب أو الشرق، في الشمال أو الجنوب.. كلها أرض الله، غير أن فيها من يأخذنا بعيداً عن الطريق السوي، بمغريات، يجدر بنا أن يكون لدينا من القوة والعزيمة ما يجعلنا نرفضها.. وفيها أيضاً من يدلنا عن حقيقة الحياة على هذه الدنيا الفانية، وماييسر لنا السبيل إلى الحياة الأبقى، والأخلد، والتفكير في الثانية ثواباً وعقاباً، هو الذي يجعلنا نمضي على الصراط المستقيم في الأولى.. ولست أنسى ليلة في بغداد في السبعينيات، كان معي مجموعة من العاملين في مجال أدب الأطفال، يريدون أن يثنوني عن الكتابات «الدينية» اكتفاء بالفكر القومي، وظللنا نتجادل إلى الصباح، دون نتيجة، وكانت عبارتي الأخيرة لهم: لنترك هذا للزمن! وامتد بنا الزمن ـ بحمد الله ـ لكي يطلبوا مني أن أكتب لهم «عملاً دينياً» بعد مرور سنوات طوال، كان أجدر بنا أن نستثمرها.. نحن نبتغي وجه الله، بما نكتبه للناشئين.. لا سعيا وراء المال، أو الشهرة، أو الهتاف، أو الزعامة.. فكل شيء زائل إلا وجه الله، ونحن نستهدف فيما نكتب أن نضع أقدام الناشئة على طريق الإيمان بالله، ورسله، وكتبه، وملائكته، واليوم الآخر.. سدد الله على النور خطانا. نشر في مجلة (الأدب الإسلامي)عدد(17)بتاريخ (1419هـ)
|